السيد كمال الحيدري
121
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الرمزية في العبادات أما العبادات فرمزيتها بيّنة جدّاً ، ولكنّا سوف نُشير إليها من خلال فريضة عبادية مستغرقة في الرمزية في البدء والمنتهى ، وهي فريضة الحجّ المقدّسة ، فلا يخلو ركن أو واجب أو مُستحبّ فيها من الرمزية ، من إحرام وتلبية وطواف وسعي ووقوف ورمي ونحر وحلق وبيتوتة . إنه التدرّج في الكمالات بواسطة سُلَّم الرمزية ، ولذلك من لم يلتفت لعمق رمزيّتها يكون قد فاته من الخير الكثير ، وبقدر الالتفات لرمزيتها وجوداً ومراتب يكون تحصيل الكمال . إن رمزية العبادات ليست أمراً إدّعائياً أو ترفياً كما يتوهّم البعض ، وإنما هي حقيقة راكزة ومُوغلة في عمق التشريع وصناعة النصّ ، بل لا يُمكن تصوّر الحركة التشريعية الموافقة لكلّ عصر ومصر ، وهي خلوٌ من رُكنية الرمزية فيها ، بل من وجوه عظمة التشريع : الاستفادة من الرمزية على نحو الركنية في الصياغة والتركيب والمضمون ، بل إن هذه المستويات الرفيعة من تجلّي الرمزية في السلّم العبادي تحكي لنا عظمة الشريعة في تعاطيها مع وعي الإنسان في حركته التأريخية ، ناهيك عن كون الرمزية فيها من أبلغ أساليب الجذب نحو تحصيل الكمالات المطلقة . الرمزية في العقائد مرّ بنا في الرمزية في الحضارات القديمة تصوير مُجمل عن حركة الإنسان تأريخياً باتّجاه تحصيل كمالاته من خلال محاولاته الجادّة والمستمرّة في تشخيص مصداق الحقّ ، ولا نبغي هنا التفصيل في ذلك بقدر ما نُريد توكيد فكرة الرمزية في العقيدة . إنَّ الرمزية في البناء العقدي لهي أبلغ بكثير مما هي عليه في الشريعة ، فإن الشريعة - العبادات تحديداً - هي من تجلّيات العقيدة الحقّة ، وهي ليست إلا وجهاً ظاهرياً نقرأ من خلالها جمال الطريقة والحقيقة .